محمد جواد مغنية
112
علم أصول الفقه في ثوبه الجديد
عن أضداده الوجودية . وذلك بأن مراد المتكلم يعرف ويكتشف من كلامه ، والمفروض في مسألة الضد أن المتكلم الآمر لم ينطق بسوى الأمر . والحس يشهد والبديهة أن صيغة الأمر غير صيغة النهي ، فقول الشارع مثلا : « صل » ليس عين قوله : « لا تنم » كي يدل أحدهما على الآخر بالمطابقة ، ولا هو جزء منه ليشير اليه بالتضمن ، ولا من لوازمه كي يوشي به ، وإذن كيف ؟ ومن أين اقتضى الأمر بالشيء نهيا عن ضده الوجودي ؟ وأية ضرورة أوجبت أن يكون كل آمر بشيء ناهيا عن ضده ؟ ومرة ثانية لا شيء يدل على أن النهي عن الضد مدلول للآمر بالشيء أو مقصودا للآمر . أما القول بأن المأمور به لا يتم إلا بترك ضده فهو - كما تمليه البديهة - من لوازم وجود الفعل في الخارج لا من لوازم وجوبه والأمر به ، لأن هذا التمانع والتعاند موجود بين الأضداد بحكم الواقع وطبيعة الحال حتى ولو لم يوجد أمر ونهي ، والاسم هنا ينبئ عن هوية المسمى . وتسأل : إن المعيار في تحديد معاني الألفاظ هو فهم العرف ، وأهله يفهمون من الأمر بالسكون النهي عن الحركة ، ومن الأمر بالحركة النهي عن السكون ، ومعنى هذا ان الأمر بالشيء نهي عن ضده عند أهل اللسان واللغة . الجواب : إن هذا الفهم - على فرض التسليم به - يختص بالضدين اللذين لا ثالث لهما ، ولا يتعداهما إلى سائر الأضداد . والسر ان السكون عين ترك الحركة ، والحركة عين ترك السكون في أفهام الناس تماما كما أن فعل الشيء عين ترك الترك له ، وعليه يكون الأمر بالسكون أمرا بترك الحركة ، وليس نهيا عنها وان كان المعنى واحدا . وبالتالي فإن الضدين اللذين لا ثالث لهما خارجان عن محل الكلام تماما كالنقيض أي ترك المأمور به . أما القائلون بأن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده - فعمدة ما لديهم دليلان : الأول ان فعل المأمور به يستلزم حتما ترك ما ينافره من الأضداد ، لأن الضدين لا يجتمعان ، والمتلازمين في الوجود يجب أن يتحدا في الحكم وإلا لزم جواز الجمع بين الضدين - مثلا - فعل الصلاة يستدعي بطبعه ترك الكتابة ، والصلاة واجبة شرعا فيجب أيضا ترك الكتابة اللازم حتما لأداء الصلاة ، ولو